الرأي والتحليل

الكــلام الدغري.. هشام احمد المصطفى (ابو هيام) يكتب: الدكتورة ميمونة خليل عبد الله: نموذج المرأة السودانية والقيادية الاجتماعية ذات القلب الرحيم (الجزء الثاني)

المقدمة: المرأة التي جعلت من الإنسانية عنوانًا لقيادتها
في كل مجتمع، هناك أشخاص يضيئون الطريق للآخرين، ليس فقط بما يملكون من مناصب أو شهادات، بل بما يحملونه من إنسانية ورحمة وصدق نية. وفي السودان، تبرز الدكتورة ميمونة خليل عبد الله كنموذج متكامل للمرأة القائدة التي جمعت بين الحنان الإنساني والكفاءة المؤسسية. فهي لم تكن مجرد مسؤولة تؤدي وظيفتها فحسب، بل كانت ملاذًا للفقراء، وسندًا للمحتاجين، وصوتًا للضعفاء، ورمزًا للمرأة السودانية الأصيلة التي لا تألو جهدًا في سبيل الخير العام.

IMG 20250502 WA0368
لقد عُرفت الدكتورة ميمونة بأنها صاحبة القلب الرحيم والعقل الواعي، فهي لا تتخذ القرارات من خلف مكتبها فقط، بل تنزل إلى الميدان، وتشارك الناس معاناتهم، وتستمع إليهم بعين الأم، وتهتم لأمرهم بضمير القائدة المسؤولة. ومن خلال عملها في ديوان الزكاة بالولاية الشمالية، وضعت بصمة إنسانية فريدة قلّ أن تتكرر، فكانت صاحبة أثر في النفوس قبل المؤسسات.
النشأة والمسار العلمي والمهني
ولدت الدكتورة ميمونة خليل عبد الله في بيئة سودانية محافظة، فنهلت من قيم الريف السوداني الأصيل، حيث التعاضد، والتكافل، والاحترام المتبادل. وقد تأثرت منذ طفولتها بمشاهد البسطاء في القرى وهم يكافحون من أجل لقمة العيش، فترسّخ في وجدانها الإحساس بالمسؤولية تجاه الفقراء والضعفاء.
واصلت دراستها بتفوق، فجمعت بين العلوم الإدارية والاجتماعية، وتخصصت في مجال يربط بين الشأن العام والعمل الإنساني. ومع تراكم خبراتها المهنية، عُرفت بقدرتها على إدارة المؤسسات الخدمية بكفاءة، مع حسّ عالٍ بالعدالة والرحمة. وقد تدرجت في عدة مواقع داخل ديوان الزكاة، حتى أصبحت واحدة من أبرز الوجوه النسائية في الولاية، يُشار إليها بالبنان في كل لقاء ومبادرة.

IMG 20250502 WA0304
ديوان الزكاة… ميدان عملها وامتداد رسالتها
عند التحاقها بديوان الزكاة، لم تتعامل الدكتورة ميمونة مع مهامها كمسؤولية إدارية فقط، بل اعتبرتها رسالة دينية وأخلاقية وإنسانية. فالزكاة في نظرها ليست مجرد أرقام تُجمع وتُوزع، بل هي وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وردّ بعض الحقوق للمحرومين.
ففي ظل وجود تحديات اقتصادية كبيرة، وارتفاع نسب الفقر في بعض المناطق الطرفية من الولاية الشمالية، أولت اهتمامًا خاصًا بتطوير آليات جمع الزكاة وتوسيع قاعدة المستفيدين منها. وحرصت على أن تصل المساعدات إلى مستحقيها الحقيقيين، لا إلى المتنفذين أو المتلاعبين.
من إنجازاتها في هذا المجال:
إجراء مسوحات ميدانية دقيقة لتحديد الأسر الأشد حاجة، بالتعاون مع لجان الأحياء والمجتمع المحلي.
تطوير قواعد بيانات إلكترونية لتفادي التكرار وضمان الشفافية.
توزيع الزكاة بعدالة وفقًا للمصارف الشرعية الثمانية، مع التركيز على الفئات الضعيفة كالنساء الأرامل والأيتام وذوي الإعاقة.
إطلاق مشاريع تمليك إنتاجية تهدف لتحويل المحتاج إلى منتج مستقل، بدلًا من الاعتماد على الإعانات الدائمة.
وقد أكسبها هذا النهج سمعة طيبة وسط المجتمع، حيث أصبح الناس يثقون في المؤسسة التي تديرها، ويدركون أنها تُحسن التصرف في أموال الزكاة بعيدًا عن المحاباة أو الفساد.
الجانب الإنساني… قلب لا يغيب عن الوجع
إذا كان العمل الإداري بحاجة إلى التخطيط والتنظيم، فإن العمل الزكوي يحتاج إلى قلب كبير. وهذا ما تميزت به الدكتورة ميمونة، إذ لم تكن ترى نفسها فوق الناس، بل واحدة منهم. كانت تذهب إلى البيوت الفقيرة بنفسها، وتستمع لحكايات البؤس، وتبكي أحيانًا مع الأمهات الحزينات، وتفرح حين تجد طفلًا حصل على حقيبة مدرسية أو علاج مجاني بسبب جهودها.
إنسانيتها لم تكن مجرد شعارات، بل ممارسة حقيقية في كل ميدان. ففي أوقات الكوارث، كانت أول من يتحرك. وفي لحظات البرد القارس، كانت ترسل البطاطين للضعفاء. وفي أيام العيد، كانت توزع الملابس للأطفال المحرومين.
وقد حكت عنها إحدى الأمهات:
“لم أكن أعرف من هي الدكتورة ميمونة، لكني رأيتها تدخل منزلي المتواضع في أحد الأحياء، وتُحضر معها سلة غذائية، وتجلس إلى جواري كأنها ابنتي… حين غادرت، شعرت أن الدنيا ما زالت بخير.”
النزاهة والمهنية في الأداء
من أبرز ما ميّز الدكتورة ميمونة خليل عبد الله هو نزاهتها المطلقة في العمل، وحرصها على أداء مهامها بشفافية وتجرد تام. كانت تؤمن بأن الزكاة أمانة ثقيلة لا تقبل التهاون، وكانت ترفض تدخلات الواسطة والمحسوبية، بل جعلت المعيار الوحيد هو الاستحقاق الشرعي والاجتماعي.
رفضت صرف أموال الزكاة في مشاريع لا تخدم الفقراء فعليًا، وكانت دائمة المتابعة لآليات الصرف والرقابة، وتُشرف بنفسها على التقارير الدورية. كما أنها:
فعّلت الشكاوى المجتمعية لتتأكد أن كل مستفيد نال حقه دون ظلم.
اتخذت إجراءات صارمة ضد أي موظف يُخل بالأمانة.
كرّست لمبدأ الشفافية في العمل الزكوي، واعتبرت أن المال العام لا يُدار إلا بروح الدين والخوف من الله.
وقد جعلتها هذه النزاهة محل ثقة المجتمع، حتى بات البعض يسلّم زكاته للديوان بكل ارتياح، لأنه يعلم أن هناك قيادة أمينة لا تتلاعب ولا تسوّف.
تمكين المرأة وتعزيز دورها المجتمعي
لم تقتصر رؤية الدكتورة ميمونة على العمل الإداري فقط، بل كانت من أوائل من تبنوا قضايا تمكين المرأة الريفية، ووفرت لها الدعم من خلال برامج الزكاة. فهي ترى أن المرأة ليست فقط متلقية للمساعدة، بل قادرة على الإنتاج إذا أُتيحت لها الأدوات.
أبرز مبادراتها:
مشاريع تمليك ماكينات خياطة، وأدوات إنتاج منزلية للأرامل والمعيلات.
تنظيم دورات تدريبية للنساء في المهارات الحرفية.
دعم تعليم البنات من الأسر الفقيرة.
توفير رأسمال صغير للنساء لبدء مشروعات منزلية تدر دخلًا مستمرًا.

IMG 20250502 WA0306
لقد آمنت بأن تمكين المرأة هو تمكين للأسرة كلها، فبذلت جهدًا كبيرًا في إعادة الاعتبار لدور النساء في الإنتاج والتنمية.
القرب من الناس… لا حواجز ولا مسافات
في زمن تكثر فيه الحواجز بين المسؤولين والمواطنين، شكّلت الدكتورة ميمونة استثناءً جميلًا. لم تكن تنتظر زيارات رسمية أو جلسات بروتوكولية، بل كانت تحضر إلى الناس ببساطتها وطيبة قلبها، وتُصغي لهم بإنصات نادر.
لم تكن تُحب الصور الرسمية أو الأضواء، بل كانت تهتم أن تصل المساعدات في الوقت المناسب، وأن تُلبى احتياجات الناس دون تأخير. وقد عُرف عنها أنها كانت تحمل ملفات المساعدات بنفسها، وتراجعها في الليل، وتعدّ الخطط بنفسها دون تفويض كامل للآخرين، لأن المسؤولية عندها لا تُفوّض.
قال عنها أحد أئمة المساجد في الولاية:
“والله لم نرَ مثلها، كانت تأتينا في الفجر ببشائر المساعدات، وتجعلنا نشارك في التوزيع، وتشكرنا بدل أن نُشكرها… امرأة بقلب أم وهمة قائد.”
أثرها في المجتمع… قيادة تُبقي الأثر بعد الرحيل
القادة لا يُقاسون فقط بما يفعلون أثناء وجودهم، بل بما يبقى من أثرهم بعد مغادرتهم المواقع. والدكتورة ميمونة تركت أثرًا عميقًا في بنية العمل الزكوي، وفي نفوس الناس. فقد ارتفعت نسبة الالتزام بدفع الزكاة في ولايتها، وتحسّن الأداء العام للمؤسسة، وشهدت برامج الديوان طفرة في الجودة والعدالة.
كما أنها خلّفت جيلًا من الكوادر النسائية اللواتي تعلمن منها، وواصلن على دربها في النزاهة والعطاء. وخلّدت في الناس فكرة أن المرأة يمكن أن تكون قائدة رحيمة، قوية، وعادلة في آن واحد.
الخاتمة: سيدة القلب الكبير والضمير الحي
في السودان، حيث التحديات الاقتصادية والاجتماعية جسيمة، تبرز نماذج إنسانية مضيئة، تأتي لتُعيد الثقة، وتُرمم الانكسارات، وتنشر الطمأنينة.
الدكتورة ميمونة خليل عبد الله واحدة من هذه النماذج. امرأة سودانية بكل ما تحمله السودانية من صفات النبل، والكرم، والعطاء. قيادية اجتماعية لم تتعالَ على الناس، بل تواضعت لهم، فرفعتهم وارتفعت.
قلبها الكبير كان يسبق قراراتها، وضميرها الحي كان يُوجّه بوصلتها. لذلك، لم تكن مسؤولة عابرة، بل واحدة من رموز الرحمة في جسد الإدارة السودانية. يستحق السودان أن يُكرم مثلها، وأن يُحتذى بها كنموذج في القيادة النسوية والعدالة الاجتماعية.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى